NighT MOon
11-12-2005, 20:58
آدم وحـــــواء
لسنا بحاجة لشبح رجل مر كطيف شاحب في حياتنا
كنت أتأمل وجهها الذي أذوب به بطرف عيني وانعكاس اللون الأحمر لقميصها على وجنتيها النضرتين، أعرف أنها لا تحب إغداق مشاعري عليها، تزجرني بغنج حين أكشف لها عن حبي اللامحدود. حب أكبر من حب أم لطفلتها. حب مركب راسخ يشبه شجرة عملاقة تمد جذوراً عميقة ومتشعبة في قلبي. أكثر ما أحبه في ابنتي التي لم تكمل السابعة عشرة، قدرتها على ضبط أعصابها، لم أرها يوما تفقد السيطرة على نفسها، يذهلني تماسكها. كانت متفوقة في دراستها رغم صغر سنها بالنسبة لزميلاتها. قضينا شهرين عصيبين تحضيراً لفحص الشهادة الثانوية، هي تدرس بكل طاقة ذهنها المتفتح للمعرفة وأنا أحوم حولها كملاكها الحارس. وبعد كل فحص في إحدى المواد كنت انتظرها عند باب المدرسة بقلب أحسه ينبض بقوة الحب، أبحث عن وجهها المحفور في شبكية عيني وفي قلبي وما أن أميزها من بعيد بين مئات الوجوه، حتى أنتفض رغماً عني وأناديها بلهفة أركض باتجاهها، فتسرع خطاها، أضمها، تطمئنني ابتسامتها الواثقة أن امتحانها جيد.
أم وابنة، هذه هي أسرتي الثنائية، أسرة سعيدة مكتفية بالحب العميق المترسخ بيننا، لسنا بحاجة لشبح رجل مر كطيف شاحب في حياتنا وترك ندبة كتلك الندبة البشعة التي تتركها طعنة سكين.
سألتني ليلة سفرنا: ماما... هل تكفي حقيبة واحدة لأغراضنا؟!..
بالتأكيد يا حبيبتي، رجوتها ألا تأخذ معها الكثير من الثياب لأنني سأشتري لها أشياء جميلة
لكني راقبتها كيف تنتقي أجمل ثيابها وأبهى حليها التقليدية وترتبها بعناية ، طلت أظافرها بعناية، وأنا لا أنفك أتأملها بوله دون أن تنتبه .
قلت لها: هيا يجب ان ننام باكراً، لأن السائق سيمر بنا السادسة صباحاً.
ردت متململة: لا استطيع النوم باكرا، تعرفين ذلك يا ماما..
لم أستطع أن أغفو تلك الليلة، كنت بحالة نفاذ صبر، أنتظر الفجر لأتفرج على ندى كم ستفرح بسفرها
ما أطول هذا الليل، ألمح رفيف أحلامها من الحركة الطفيفة لأهدابها، تدمع عيناي وجداً وأنا أتذكرها صغيرة والآن غدت صبية متفتحة للحياة كبرعم وردة. تفتح عينيها الناعستين وتسألني كم الساعة؟ أقول لها بصوت ذاب شوقاً لشق حنجرتي والتحدث إليها: هيا اقفزي من سريرك بعد ربع ساعة سيمر بنا السائق.
ترجلنا من السيارة، فكرت أن ضابط الأمن يرغب برؤية ابنتي بما أنها تسافر للمرة الأولى، لكن الضابط اللطيف فاجأنا أن هناك قراراً بمنع ابنتي من مغادرة البلد بأمر خطي من والدها.
للوهلة الأولى أدهشتني كلمة والد، ارتطمت الكلمة بأذني وارتدت، لفظتها بعيداً، كما لو أنني اكتشفت أن الثمرة التي وضعتها في فمي فاسدة. هل قال والد؟!!... أي وهم هذا!!... انها بلا أب. والدها في الغربة منذ خمسة عشر عاماً يبحث عن سعادة وهمية وثراء مادي مفضلا إفراغ روحه وملء جيوبه.
لم أجرؤ أن أنظر في وجه ابنتي، كنت عاجزة عن تحمل خيبة العينين العسليتين المشرقتين بالأمل والذكاء دوماً، ياه كم أنا جبانة!... ألا تستحق ابنتي نظرة اهتمام وتعاطف من قلبي؟!..
كيف جف حلقي بلحظة والتصق لساني بسقف حلقي، قلت لضابط الأمن: لكني مسؤولة عنها، فلا والد لها
قال الضابط بلطف وتعاطف: أنا آسف، لا أستطيع السماح لابنتك بعبور الحدود، فأمر والدها بمنعها من السفر واضح انتفضت فجأة وتقدمت من الضابط، قالت له بصوت ثابت: أمي مسؤولة عني.. صمت، سمعت تتمة كلامها الصامت: فأنا ليس لي أب، لأ أعرف أبي. ابتسم الضابط لها وقال متأسفاً: لا أملك السلطة بالسماح لك بالسفر.
وضعت الصغيرة حقيبتها أمامنا في باص بائس سيعود بنا خائبتين، لم يطلق صدرها آهة ألم ولا تنهدة، كانت تبتسم ابتسامة أشد حيرة من ابتسامة!
طوال الطريق كنت اتأمل وجهها بالمرآة الأمامية للسيارة فيدهشني صفاؤه النابع من أعماق طاهرة محبة للعالم وأشعر أني أنهل من هذا الهدوء والحزن المصفى.
همست باسمها مراراً، وانفلت الصوت من حنجرتي المختنقة بالقهر، فاستدارت نحوي متسائلة: ماذا؟!...
تهدج صوتي وانفجرت الدموع من عيني
ملطوش
لسنا بحاجة لشبح رجل مر كطيف شاحب في حياتنا
كنت أتأمل وجهها الذي أذوب به بطرف عيني وانعكاس اللون الأحمر لقميصها على وجنتيها النضرتين، أعرف أنها لا تحب إغداق مشاعري عليها، تزجرني بغنج حين أكشف لها عن حبي اللامحدود. حب أكبر من حب أم لطفلتها. حب مركب راسخ يشبه شجرة عملاقة تمد جذوراً عميقة ومتشعبة في قلبي. أكثر ما أحبه في ابنتي التي لم تكمل السابعة عشرة، قدرتها على ضبط أعصابها، لم أرها يوما تفقد السيطرة على نفسها، يذهلني تماسكها. كانت متفوقة في دراستها رغم صغر سنها بالنسبة لزميلاتها. قضينا شهرين عصيبين تحضيراً لفحص الشهادة الثانوية، هي تدرس بكل طاقة ذهنها المتفتح للمعرفة وأنا أحوم حولها كملاكها الحارس. وبعد كل فحص في إحدى المواد كنت انتظرها عند باب المدرسة بقلب أحسه ينبض بقوة الحب، أبحث عن وجهها المحفور في شبكية عيني وفي قلبي وما أن أميزها من بعيد بين مئات الوجوه، حتى أنتفض رغماً عني وأناديها بلهفة أركض باتجاهها، فتسرع خطاها، أضمها، تطمئنني ابتسامتها الواثقة أن امتحانها جيد.
أم وابنة، هذه هي أسرتي الثنائية، أسرة سعيدة مكتفية بالحب العميق المترسخ بيننا، لسنا بحاجة لشبح رجل مر كطيف شاحب في حياتنا وترك ندبة كتلك الندبة البشعة التي تتركها طعنة سكين.
سألتني ليلة سفرنا: ماما... هل تكفي حقيبة واحدة لأغراضنا؟!..
بالتأكيد يا حبيبتي، رجوتها ألا تأخذ معها الكثير من الثياب لأنني سأشتري لها أشياء جميلة
لكني راقبتها كيف تنتقي أجمل ثيابها وأبهى حليها التقليدية وترتبها بعناية ، طلت أظافرها بعناية، وأنا لا أنفك أتأملها بوله دون أن تنتبه .
قلت لها: هيا يجب ان ننام باكراً، لأن السائق سيمر بنا السادسة صباحاً.
ردت متململة: لا استطيع النوم باكرا، تعرفين ذلك يا ماما..
لم أستطع أن أغفو تلك الليلة، كنت بحالة نفاذ صبر، أنتظر الفجر لأتفرج على ندى كم ستفرح بسفرها
ما أطول هذا الليل، ألمح رفيف أحلامها من الحركة الطفيفة لأهدابها، تدمع عيناي وجداً وأنا أتذكرها صغيرة والآن غدت صبية متفتحة للحياة كبرعم وردة. تفتح عينيها الناعستين وتسألني كم الساعة؟ أقول لها بصوت ذاب شوقاً لشق حنجرتي والتحدث إليها: هيا اقفزي من سريرك بعد ربع ساعة سيمر بنا السائق.
ترجلنا من السيارة، فكرت أن ضابط الأمن يرغب برؤية ابنتي بما أنها تسافر للمرة الأولى، لكن الضابط اللطيف فاجأنا أن هناك قراراً بمنع ابنتي من مغادرة البلد بأمر خطي من والدها.
للوهلة الأولى أدهشتني كلمة والد، ارتطمت الكلمة بأذني وارتدت، لفظتها بعيداً، كما لو أنني اكتشفت أن الثمرة التي وضعتها في فمي فاسدة. هل قال والد؟!!... أي وهم هذا!!... انها بلا أب. والدها في الغربة منذ خمسة عشر عاماً يبحث عن سعادة وهمية وثراء مادي مفضلا إفراغ روحه وملء جيوبه.
لم أجرؤ أن أنظر في وجه ابنتي، كنت عاجزة عن تحمل خيبة العينين العسليتين المشرقتين بالأمل والذكاء دوماً، ياه كم أنا جبانة!... ألا تستحق ابنتي نظرة اهتمام وتعاطف من قلبي؟!..
كيف جف حلقي بلحظة والتصق لساني بسقف حلقي، قلت لضابط الأمن: لكني مسؤولة عنها، فلا والد لها
قال الضابط بلطف وتعاطف: أنا آسف، لا أستطيع السماح لابنتك بعبور الحدود، فأمر والدها بمنعها من السفر واضح انتفضت فجأة وتقدمت من الضابط، قالت له بصوت ثابت: أمي مسؤولة عني.. صمت، سمعت تتمة كلامها الصامت: فأنا ليس لي أب، لأ أعرف أبي. ابتسم الضابط لها وقال متأسفاً: لا أملك السلطة بالسماح لك بالسفر.
وضعت الصغيرة حقيبتها أمامنا في باص بائس سيعود بنا خائبتين، لم يطلق صدرها آهة ألم ولا تنهدة، كانت تبتسم ابتسامة أشد حيرة من ابتسامة!
طوال الطريق كنت اتأمل وجهها بالمرآة الأمامية للسيارة فيدهشني صفاؤه النابع من أعماق طاهرة محبة للعالم وأشعر أني أنهل من هذا الهدوء والحزن المصفى.
همست باسمها مراراً، وانفلت الصوت من حنجرتي المختنقة بالقهر، فاستدارت نحوي متسائلة: ماذا؟!...
تهدج صوتي وانفجرت الدموع من عيني
ملطوش